المقريزي

233

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

المسرّة « a » وغياضها ، تلفّت إلى من سلّمته يد الأقدار إلى أرض ليست بذات قرار ، وبدّلوا بجنّتهم ذات البان المتقاوح « b » ، والورق المتصادح ، والنّشر المتقادح ، والماء المطلق المسلسل ، والنّسيم الصّحيح العليل جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ، وتقصّدتهم يد القضاء فأخذتهم بالبأساء والضّرّاء ، وأوقعتهم بمصر وسمومها « c » ، وحميمها وغمومها ، وحزومها وغرورها « d » ، وحرورها وزفيرها ، وسعيرها وكيمانها ، ونيرانها وسودانها ، وفلّاحيها وملّاحيها ، ومساربها ومشاربها ، ومسالكها ومهالكها ، وصحناتها وعصفورها وبوريّها وممقورها « e » ، ومخاوف نوروزها وحرارة تمّوزها ، ودارس طلولها ، ورائس أسطولها ، وتعكّر مائها ، وتكدّر هوائها ؛ فلو تراهم في أرجائها القصوى كالأباعر الهمل ، وهم يصطرخون فيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ الآية 37 سورة فاطر ] . فأجابه من دمشق بكتاب من جملته على لسان دمشق كأنّها تخاطبه : « ويا أيّها الولد العزيز ، كيف سمحت فطرتك السّليمة ، ومروءتك الكريمة ، وسيرتك المستقيمة ، وصبرك المحافظ ، ودينك المراقب الملاحظ ، بذمّ من جنيت نعمها ، وسكنت حرمها ، وقلت مصر وسمومها « c » ، وسقت عليها القول من كلّ جانب ، واستعرت لها التّكدير حتّى في المشارب والمسارب . وهلّا ذكرتها وقد باكرها نيل نيل النّعيم بمعنيه « f » بليل / النّسيم بكأس تسنيمه « g » ، وطما البحر عليها زاخرا فأغناها عن بكاء السّحاب وتجهيمه ، وعمّ معظم أرضها ، وعبّ عبابه في طولها وعرضها ، حتى كاد يعلو رفيع قصورها ، وتتسوّر سورته « h » شامخ سورها . ومع ذا لا تراه جسورا على ضعاف جسورها ، قد طبق التّهائم والأنجاد ، وغرّق الآكام والوهاد ، وعلا أعلى الصّعيد والصّعاد ،

--> ( a ) بولاق : المسرات . ( b ) بولاق : المتفاوح . ( c ) بولاق : وشموسها . ( d ) بولاق : حزونها ووعورها . ( e ) بولاق : عقورها . ( f ) بولاق : بمغيثه . ( g ) بولاق : من تسنيمه . ( h ) بولاق : ويتسور بسورته .